فخر الدين الرازي

179

تفسير الرازي

ممتنع من وجوه : أحدها : أن هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر هو القلب لا اليد . وثانيها : أن اليد ليست محلاً للمعرفة والعلم ، فلا يتوجه التكليف عليها ، فلا يمكن إيصال العذاب إليها ، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة ، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة . واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع والعاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة ، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان . المسألة الرابعة : قوله : * ( بما قدمت أيديكم ) * يقتضي أن ذلك العقاب كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه ، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان ، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الإنسان ، فكان هذا الكلام مطابقاً للمعقول . ثم قال تعالى : * ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في محل أن وجهان : أحدهما : النصب بنزع الخافض يعني بأن الله : والثاني : أنك إن جعلت قوله : * ( ذلك ) * في موضع رفع جعلت أن في موضع رفع أيضاً ، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء كان صواباً ، وعلى هذا التقدير : يكون هذا كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً ، وأيضاً قوله تعالى : * ( ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) * يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالماً بهذا العذاب ، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالماً في هذا العذاب ، فلو كان الموجد للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً ، وأيضاً تدل هذه الآية على كونه قادراً على الظلم ، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة . واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران ، فلا فائدة في الإعادة . والله أعلم .